محمد بن جرير الطبري

316

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ثني الزهري ، قال : سمعت رجلا من مزينة يحدث عن سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة حدثهم ، أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدارس حين قدم رسول الله ( ص ) المدينة ، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت . فقالوا : انطلقوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد ( ص ) ، فاسألوه كيف الحكم فيهما فولوه الحكم عليهما ، فإن عمل فيهما بعملكم من التحميم ، وهو الجلد بحبل من ليف مطلي بقار ، ثم يسود وجوههما ، ثم يحملان على حمارين وتحول وجوههما من قبل دبر الحمار ، فاتبعوه ، فإنما هو ملك . وإن هو حكم فيهما بالرجم ( فإنه نبي ) فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه . فأتوه فقالوا : يا محمد هذا الرجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت ، فاحكم فيهما ، فقد وليناك الحكم فيهما فمشى رسول الله ( ص ) حتى أتى أحبارهم في بيت المدارس ، فقال : يا معشر اليهود أخرجوا إلى أعلمكم فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا الأعور . وقد روي بعض بني قريظة أنهم أخرجوا إليه يومئذ مع ابن صوريا أبا ياسر بن أخطب ووهب بن يهودا ، فقالوا : هؤلاء علماؤنا فسألهم رسول الله ( ص ) حتى حصل أمرهم ، إلى أن قالوا لابن صوريا : هذا أعلم من بقي بالتوراة . فخلا به رسول الله ( ص ) ، وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا ، فألظ به رسول الله ( ص ) المسألة ، يقول : يا ابن صوريا أنشدك الله وأذكرك أياديه عند بني إسرائيل ، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة ؟ فقال : اللهم نعم أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل ، ولكنهم يحسدونك . فخرج رسول الله ( ص ) ، فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بني عثمان بن غالب بن النجار . ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا ، فأنزل الله : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم .